القبعة والنبي | مسرحية غسان كنفاني
كتبت 1967 – نُشرت 1973 بعد اغتياله
“القبعة تستر رأس الرجل من الخارج. والنبي يستره من الداخل.”
هكذا علق غسان كنفاني على مسرحيته الوحيدة في رسالة إلى الكاتبة الكبيرة غادة السمان. جملة واحدة تكشف عن عمق العمل، وعن سخرية كنفاني المرّة، وعن قدرته على اختزال فلسفات كاملة في سطر واحد.
لماذا لم ينشرها كنفاني؟
العام 1967. نكسة حزيران. فلسطين تسقط. الحلم العربي يتحطم. وغسان كنفاني، الكاتب الفلسطيني الثائر، ينهار مع كل عربي.
في هذا العام تحديداً، كتب كنفاني القبعة والنبي. لكنه لم ينشرها.
لماذا؟
أرجع بعض النقاد إهمال كنفاني لنشر مسرحيته إلى تأثره العميق بالنكسة. كان كنفاني في حالة تحول. كان ينتقل من كاتب روائي مبدع إلى مناضل سياسي مباشر. لهجة نضالية جديدة بدأت تتشكل في كتاباته اللاحقة. والقبعة والنبي وُلدت في فترة انتقالية. فترة ارتباك. فترة غضب. فترة بحث.
بعضهم يقول إن كنفاني لم يكن راضياً عن المسرحية. لكن الأرجح أنه أراد تأجيلها. ربما كان يخطط لإعادة كتابتها. ربما كان يريد أن تنضج أكثر.
لكن الاغتيال جاء قبل النضج. اغتيل كنفاني في بيروت عام 1972. وبقيت المسرحية في الأدراج. حتى عام 1973، نُشرت بعد رحيل صاحبها.
ماذا تعني القبعة والنبي؟
العنوان نفسه لغز. القبعة والنبي. شيء مادي. شيء روحي. شيء يغطي الرأس من الخارج. شيء يغطي الداخل.
في رسالته إلى غادة السمان، شرح كنفاني فكرته باقتدار:
- القبعة: تستر الرجل من الخارج. هي المظهر. هي المكانة الاجتماعية. هي دور الإنسان في المجتمع. هي القبعة التي يرتديها الموظف، والجندي، والملك، والفقير. القبعة هي القناع الذي نرتديه أمام العالم.
- النبي: يستر الرجل من الداخل. هو الإيمان. هو الأيديولوجيا. هو المبدأ الذي نؤمن به. هو التبرير الأخلاقي لكل أفعالنا. النبي هو القناع الذي نرتديه أمام أنفسنا.
المسرحية تسأل: ماذا يبقى من الإنسان إذا خلع قبعته وتخلى عن نبيه؟ هل يبقى شيء؟ أم ينهار تماماً؟
القبعة والنبي ومسرح العبث
يعتبرها النقاد عملاً تأثر بالحداثة وبمسرح العبث واللامعقول. تذكرك بـ صامويل بيكيت (في انتظار غودو)، ويوجين يونسكو (الكرسي)، وهارولد بنتر.
لكن القبعة والنبي ليست تقليداً. إنها مسرحية عبثية فلسطينية عربية بامتياز. عبثها ليس عبثاً وجودياً مجرداً. بل هو عبث نابع من واقع سياسي مرير. عبث شعب فقد أرضه. عبث كاتب فقد وطنه. عبث إنسان يبحث عن معنى في عالم فقد معناه.
موضوعات المسرحية
المسرحية غنية بالموضوعات، لكن أبرزها:
- البحث عن عالم أفضل: ليس هذا بحثاً فلسفياً هادئاً. بل هو صراع عنيف. شخصيات المسرحية تبحث عن مكان ما، عن خلاص ما، عن أفق جديد. لكن كل طريق يسلكونه يعيدهم إلى نقطة الصفر.
- مقاومة الإغراء المادي: القبعة ليست مجرد قبعة. القبعة هي المال، هي السلطة، هي المكانة. المسرحية تسخر من أولئك الذين يبيعون مبادئهم من أجل قبعة أجمل. لكن السخرية مرة، لأن الجميع – حتى الأبطال – يقعون في الفخ.
- الحب: نعم، الحب. في قلب هذه المسرحية السياسية العبثية، هناك قصة حب. ليس حباً رومانسياً، بل حب كمقاومة. حب كإصرار على البقاء إنساناً في عالم يريد تحويلك إلى مجرد قبعة أو نبي.
- المواجهة الوجودية: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ إلى أين أنا ذاهب؟ أسئلة قديمة قدم البشرية. لكن كنفاني يطرحها في سياق سياسي. إجابته ضمنية: أنت لست شيئاً خارج القبعة والنبي. أنت القبعة والنبي معاً. وبدونهما، أنت لا شيء.
ماذا يقول النقاد عن القبعة والنبي؟
- “ملحمة جدلية متقنة” – هكذا وصفها بعض النقاد. ملحمة. جدلية. متقنة. كل كلمة تحمل وزناً.
- “عمل جريء وصادم” – جرأة كنفاني هنا ليست جرأة سياسية فقط (مع أن السياسة حاضرة بقوة)، بل جرأة شكلية. جرأة في كسر قواعد المسرح التقليدي. جرأة في جعل الجمهور يشعر بعدم الارتياح.
- “يحمل رسائل سامية” – في النهاية، ورغم العبث واللامعقول، تبقى المسرحية متفائلة بطريقة غريبة. تؤمن بأن الإنسان قادر على التغيير. تؤمن بأن البحث عن عالم أفضل ليس عبثياً مهما كانت النتائج.
لماذا تقرأ القبعة والنبي اليوم؟
- لأنك تعرف غسان كنفاني الروائي. حان وقت أن تعرف غسان كنفاني المسرحي.
- لأنها فرصة نادرة لرؤية كنفاني في لحظة تحول. لحظة لم يكن فيها كاتباً متبلوراً بالكامل. لحظة ارتباك. لحظة غضب. لحظة صدق.
- لأنها أقرب ما يكون إلى وصيته الأدبية. كُتبت في لحظة انهيار ونُشرت بعد الاغتيال.
- لأنها مسرحية فلسطينية عربية في مسرح العبث العالمي. تثبت أن الفلسطينيين ليسوا ضحايا فقط. هم أيضاً يكتبون، يبدعون، يسخرون، ويطرحون الأسئلة الكبرى.
لمن تناسب هذه المسرحية؟
- لمن قرأ غسان كنفاني كاملاً ويريد استكمال كل ما كتبه.
- لمن يهتم بمسرح العبث واللامعقول ويريد قراءة نموذج عربي فلسطيني فريد.
- لمن يريد فهم تأثير نكسة 1967 على الأدب الفلسطيني وكيف غيّرت مسارات كبار الكتاب.
- لمن يحب غادة السمان ويريد أن يرى جانباَ من مراسلاتها مع كنفاني.
عن الكاتب: غسان كنفاني
غسان كنفاني (1936-1972). فلسطيني. لاجئ. صحفي. روائي. مسرحي. سياسي. شهيد. اغتيل في بيروت بتفجير سيارته مع ابنته لمى.
ترك خلفه:
- روايات: رجال في الشمس، عائد إلى حيفا، أم سعد، ما تبقى لكم
- الروايات غير المكتملة: العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان
- مسرحية وحيدة: القبعة والنبي
هذه المسرحية هي آخر ما تبقى من كنفاني المسرحي. لا توجد مسرحيات أخرى. هذا كل ما لديه. فهل تقرأها؟
تحذير أخير:
القبعة والنبي ليست مسرحية تقليدية. لا تبحث فيها عن حبكة واضحة، أو شخصيات محددة المعالم، أو نهاية سعيدة. ستحتاج إلى قراءتها أكثر من مرة. ستحتاج إلى التفكير فيها. ستحتاج إلى المشاركة في إكمال معناها.
وهذا بالضبط ما أراده كنفاني.
- “القبعة تستر رأس الرجل من الخارج. والنبي يستره من الداخل. وماذا يبقى للإنسان عندما تخلع القبعة ويسقط النبي؟”
الجواب في المسرحية. انتظرك هناك.
اطلب مسرحية القبعة والنبي لغسان كنفاني الآن، واكتشف الكاتب الذي لم تعرفه من قبل.









