الروايات غير المكتملة | غسان كنفاني
“لم يكملها غسان كنفاني لأنه رحل. اغتيل وبقيت كلماته حية.”
العاشق – الأعمى والأطرش – برقوق نيسان
عام 1972. اغتيل غسان كنفاني في بيروت. انفجرت سيارته وهو مع ابنته الصغرى. في تلك اللحظة، توقف قلمه إلى الأبد. ولم تكتمل ثلاث روايات كان يعمل عليها: العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان.
لكن هل حقًا لم تكتمل؟
من يقرأ غسان كنفاني يعرف أنه ليس كاتبًا عاديًا. كلماته لا تشبه كلمات غيره. جملته الفريدة، علامات ترقيمه المدروسة، تعمده في كل حرف. فهل كان يمكن لثلاث روايات من هذا العيار أن تظل “غير مكتملة” بالمعنى التقليدي؟
بالطبع لا.
هذه الروايات الثلاث تبدو للوهلة الأولى غير مكتملة. لكنها تكتمل:
- بالطريق الذي قطعه خلالها.
- بإرث غسان.
- بالكثافة الفكرية التي تميزت به رواياته.
- بمشاركة القارئ.
- بالغياب نفسه.
العاشق
العاشق هي الرواية التي استعادت بعض ملامح ثورة 1936-1939 في فلسطين. ثورة عظيمة قمعت بقسوة، لكنها تركت ندوباً لا تندمل.
في العاشق، نرى غسان كنفاني يحفر في تاريخ شعبه. ليس من باب التوثيق الجاف، بل من باب العشق – العشق للأرض، للحرية، للذاكرة. البطل هنا ليس رجلاً واحداً، بل فلسطين كلها.
الرواية تبدو غير مكتملة. لكن تكتمل حين ندرك أن العاشق ليس بحاجة إلى نهاية. العشق لا ينتهي. الثورة لا تنتهي. فلسطين لا تنتهي.
الأعمى والأطرش
هنا نصل إلى أكثر الروايات إثارة للجدل بين الثلاث. الأعمى والأطرش – عنوان يحمل في طياته سخرية مرة. أعمى وأطرش. كلاهما ناقص. كلاهما لا يرى ولا يسمع. معًا، هل يكتملان؟
غسان كنفاني قال في هذه الرواية كل ما يمكن أن يقال. من يقرأها يشعر بالامتلاء. النص مكثف. الشخصيات حية. الحوارات حادة. الأحداث تتصاعد. ثم… تتوقف.
لماذا تتوقف؟
لأن الأعمى والأطرش تبدو مكتملة. نعم، تبدو مكتملة. ما لم نكن ننتظر حدثاً ختامياً. لكن ماذا لو كان الحدث الختامي هو غياب غسان نفسه؟ اغتياله هو الخاتمة التي لم يكتبها. وهو أعاد قراءة الرواية بأكملها من منظور مختلف. الأعمى والأطرش لم يعدا مجرد شخصيات خيالية، بل أصبحا رمزاً لشعب فقد بصره وسمعه لكنه لا يزال يقاوم.
برقوق نيسان
الرواية الأكثر غرابة في المجموعة. برقوق نيسان تتكامل بين المتن والحاشية. الهامش هنا ليس مجرد هوامش تقليدية. الهامش الذي بدا حيادياً بشكله هو الذي منح الرواية الواقعية المؤلمة التي تميز بها كنفاني.
المتن يحكي قصة. والهوامش تروي قصة أخرى. أحياناً يتطابقان، وأحياناً يتناقضان. والقارئ يقع في المنتصف، يحاول فك اللغز.
بعض النقاد يقولون إن برقوق نيسان لو عاش غسان لإكمالها، لكان دمج الهوامش في المتن. هذه الهوامش كانت “مادة خام” يعيدها إلى المتن في مرحلة التشكيل النهائي. لكنه رحل. وبقيت الهوامش هوامش. وبقي المتن متناً. وترك لنا نحن – القراء – مهمة إعادة التركيب.
لماذا هذه الروايات “مكتملة بطريقة ما”؟
لأن غسان كنفاني ليس كاتبًا عاديًا. يتميز ب:
- العمق: كل جملة تحمل أكثر من معنى. كل كلمة مختارة بعناية. كل علامة ترقيم لها وظيفة درامية.
- طريقة الإلقاء: غسان لم يكن يكتب “قصة”. كان يلقيها. كأنه يتحدث إليك مباشرة. هذه الحميمية تجعلك تشعر بالفراغ عندما تتوقف الرواية فجأة. وهذا الفراغ هو جزء من التجربة.
- الحفر في الوعي: قراءة كنفاني ليست سطحية. يحفر في عقلك. يترك أسئلة لا تجيب عليها. يجعلك تفكر لأيام بعد الانتهاء من صفحات قليلة. فكيف عندما تكون هذه الصفحات “غير مكتملة”؟ الفراغ الذي يتركه يصبح فاعلاً في وعيك.
الغياب كخاتمة
الرواية التقليدية تحتاج إلى نهاية. لكن حياة غسان كنفاني انتهت قبل أن يكتب النهايات. فصار اغتياله هو خاتمة هذه الروايات الثلاث.
وهذه الخاتمة – بكل بشاعتها وعبثيتها – تعطي للروايات معنى جديداً. صارت العاشق تقرأ على ضوء استشهاد كاتبها. وصار الأعمى والأطرش أكثر عمى وطرشاً بعد رحيل من خلقهما. وصار برقوق نيسان مراً أكثر من أي وقت مضى.
لمن هذه الروايات الثلاث؟
- لمن قرأ غسان كنفاني من قبل (رجال في الشمس، عائد إلى حيفا، أم سعد، ما تبقى لكم) ويريد استكمال مشواره الأدبي.
- لمن يريد فهم كنفاني بشكل أعمق – ليس كروائي مكتمل، بل كروائي في لحظة تشكل، لحظة كتابة، لحظة اغتيال.
- لمن يحب التجارب الأدبية غير التقليدية – روايات بلا نهايات، نصوص مفتوحة على الاحتمالات، هوامش تتحدث بصوت أعلى من المتن.
- لمن يؤمن بأن القارئ شريك في الإبداع – هذه الروايات لا تكتمل إلا بمشاركتك أنت.
عن الكاتب: غسان كنفاني
غسان كنفاني (1936-1972). فلسطيني. لاجئ. صحفي. روائي. سياسي. شهيد. اغتيل في بيروت بتفجير سيارته مع ابنته لمى.
ترك خلفه روايات خالدة: رجال في الشمس، عائد إلى حيفا، أم سعد، ما تبقى لكم… وهذه الثلاث التي بين يديك الآن: العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان.
لم يكملها. لكنه تركها لنا. وتتركنا هي بأسئلتنا.
تحذير أخير:
هذه الروايات ليست للقارئ الذي يبحث عن “قصة” بنهاية مغلقة. هذه الروايات للقارئ الذي يجرؤ على مواجهة الفراغ. الذي لا يخاف من عدم الاكتمال. الذي يعرف أن أجمل الأشياء في الحياة هي التي لا تنتهي.
“غسان كنفاني لم يرحل. كلماته لا تزال حية. وهذه الروايات الثلاث – رغم أنها غير مكتملة – هي أكثر اكتمالاً من ألف رواية لها بداية ووسط ونهاية.”
اطلب الروايات غير المكتملة لغسان كنفاني (العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان) الآن وشارك كاتبك في إكمالها.







