جسر إلى الأبد مسرحية إذاعية لغسان كنفاني (1965)
“فارس ترك والديه وسافر. عاد بعد عشرين عاماً. لم يجد أحداً. وجد ضحايا.”
عام 1965. غسان كنفاني في ذروة عطائه الأدبي. بين رجال في الشمس (1963) وما تبقى لكم (1966)، كتب كنفاني نصاً مختلفاً: جسر إلى الأبد، مسرحية إذاعية لم تُذع، ولم تُنشر في كتاب مستقل، وظلت لعقود عملاً نادراً لا يعرفه إلا المتخصصون والباحثون.
لكن الندرة لا تعني الضعف. بالعكس. جسر إلى الأبد هو واحد من أكثر أعمال كنفاني تأثيراً، وأكثرها إنسانية، وأكثرها قسوة.
لماذا لم تُذع ولم تُنشر؟
لا نعرف على وجه اليقين. بعض الباحثين يقولون إن كنفاني كان مشغولاً بأعماله الروائية والصحفية. وبعضهم يقول إن النص لم يرضَ كنفاني تماماً. لكن الأرجح أن الظروف السياسية والاغتيال المبكر حالا دون خروج هذا العمل إلى النور.
مهما كان السبب، جسر إلى الأبد بقيت في الأدراج. حتى قررت دور النشر إخراجها للجمهور الذي يبحث عن كل كلمة كتبها غسان كنفاني.
ماذا يحدث في جسر إلى الأبد؟
العام 1982. بعد 17 عاماً من كتابة المسرحية. كنفاني يتنبأ؟ يخطط؟ يكتب خيالاً علمياً؟ لا. هو يكتب واقعاً إنسانياً لا يتغير بتغير التواريخ.
فارس هو بطل المسرحية. شاب عربي (ربما فلسطيني، كنفاني لا يصرح، لكن القارئ يفهم). ترك والديه وسافر إلى الخارج. طمعاً في لقمة عيش أفضل. أملاً في مستقبل مشرق. بحثاً عن حياة تليق به.
مضت عشرون سنة.
فارس لم يعد شاباً. هو الآن رجل في منتصف العمر. يقرر العودة إلى بلده. إلى بيته. إلى والديه. لكنه لا يعود منتصراً. يعود خائفاً. متردداً. مثقلاً بالذنب.
وعندما يصل، يجد الكارثة.
والديه لم يموتا موتاً طبيعياً. لم يمرضا. لم يقتلهما أحد. هما ضحايا الإهمال والغياب. فارس لم يكتب لهما. لم يزرهم. لم يسأل عنهما. انشغل بحياته الجديدة. ونسي أن له جذوراً. ونسي أن الجذور تموت إذا لم تُسق.
من هي رجاء؟
رجاء هي الشخصية الثانية في المسرحية. امرأة (أخت؟ قريبة؟ جارة؟ صديقة؟ كنفاني يتركها غامضة عمداً). رجاء هي من حاولت تقويم مسافة فارس. هي من ساعدته في التصالح مع الماضي.
فارس كان يعتقد أنه قتل أمه. ليس بسلاح. ليس بسم. لكن بغيابه. ببرودته. بلامبالاته.
رجاء تحاول إقناعه بأن الموت ليس جريمة دائماً. وأن الغياب ليس قتلاً دائماً. وأن المصالحة ممكنة. وأنه لا يزال هناك وقت لبناء جسر إلى الأبد.
لكن هل يصدقها فارس؟ هذا ما تتركه المسرحية لك.
ماذا تعني “جسر إلى الأبد”؟
الجسر هو الرابط بين فارس ووالديه. بين الماضي والحاضر. بين الذنب والمغفرة. بين الحياة الحقيقية والحياة المتخيلة.
الأبد هو الزمن الذي لا ينتهي. هو الذاكرة. هو الوجع الذي لا يزول. هو الحب الذي لا يموت.
جسر إلى الأبد هو محاولة فارس لعبور هذه المسافات كلها. ليعود إلى والديه ولو بعد فوات الأوان. ليطلب السماح ولو بعد الموت. ليصلح ما أفسده الغياب.
هل يعبر الجسر؟ أم يبقى على الضفة الأخرى وحيداً مع ذنبه؟
أبعاد المسرحية الإنسانية والاجتماعية
جسر إلى الأبد ليست مجرد قصة فردية. هي قصة جيل كامل.
- الهجرة وانقطاع الصلة: كنفاني يكتب عن آلاف الشباب العربي الذين هاجروا إلى الخارج بحثاً عن الرزق. تركوا أهلهم. تركوا بلادهم. تركوا جذورهم. وبعد سنوات، يعودون ليجدوا كل شيء تغير. كل شيء مات. كل شيء انتهى.
- إهمال الحياة الحقيقية: فارس انشغل بـ”الحياة” لدرجة أنه نسي الحياة الحقيقية. تعلق بالخيال. ظن أن المال والعمل هما كل شيء. اكتشف متأخراً أن العائلة والجذور هما كل شيء.
- العيش مع الذكريات: فارس عاش عشرين سنة مع ذكريات والديه. تخيلهم شباباً أقوياء. تخيلهم ينتظرونه. لكن الواقع كان مختلفاً. الواقع كان قاسياً. والمواجهة كانت صادمة.
- الحاجة إلى قرار: في النهاية، المسرحية ليست حزينة فقط. هي أيضاً دعوة للفعل. كنفاني يريد منا ألا نكون مثل فارس. يريد منا أن نتحرك. أن نكتب. أن نزور. أن نسأل. أن نصل قبل فوات الأوان. أن نبني الجسر الآن، وليس بعد عشرين سنة.
لماذا تقرأ جسر إلى الأبد؟
- لأنك تريد أن ترى غسان كنفاني مختلفاً. ليس كنفاني السياسي الثائر. ليس كنفاني الفلسطيني المقاوم. ليس كنفاني الكاتب الملتزم. بل كنفاني الإنسان. كنفاني الذي يكتب عن الابن والوالدين. عن الغياب والذنب. عن المغفرة المستحيلة.
- لأنها عمل نادر لا يعرفه إلا القليل. إذا كنت تجمع أعمال كنفاني الكاملة، لا يمكن أن تفوت هذه المسرحية.
- لأنها أقصر من أن تضيع وقتك وأعمق من أن تنساها. نص إذاعي، يقرأ بسرعة، لكنه يبقى في الذاكرة.
- لأنها مرآتك أنت. كلنا غادرنا أحداً. كلنا أهملنا أحداً. كلنا شعرنا بالذنب. المسرحية تطرح السؤال: ماذا ستفعل عندما تعود وتجد كل شيء تغير؟
لمن هذه المسرحية؟
- لمن جمع كل أعمال غسان كنفاني ولا يريد أن يفوت أي نص، مهما كان نادراً.
- لمن يهتم بالمسرح الإذاعي كجنس أدبي مستقل.
- لمن لديه علاقة مضطربة مع والديه – المسرحية قد تؤلمك، لكنها قد تساعدك أيضاً.
- لمن يعيش بعيداً عن أهله ويشعر بالذنب لأنه لا يزورهم بما فيه الكفاية.
- لمن يبحث عن كنفاني الإنسان قبل كنفاني السياسي.
عن الكاتب: غسان كنفاني
غسان كنفاني (1936-1972). فلسطيني. لاجئ. صحفي. روائي. مسرحي. قاص. سياسي. شهيد. اغتيل في بيروت بتفجير سيارته مع ابنته لمى.
أعماله النادرة والمتاحة:
- مجموعة قصصية: موت سرير رقم 12 (1961)
- روايات: رجال في الشمس، عائد إلى حيفا، أم سعد، ما تبقى لكم
- الروايات غير المكتملة: العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان
- مسرحية منشورة: القبعة والنبي
تحذير أخير:
جسر إلى الأبد قد تبكيك. قد تغضب. قد تشعر بالذنب. قد تلتقط الهاتف وتتصل بوالديك فور الانتهاء من القراءة.
“فارس ترك والديه وسافر. عاد بعد عشرين عاماً. لم يجد أحداً. وجد ضحايا.”
اطلب جسر إلى الأبد لغسان كنفاني الآن.









